وتطورها
ترتبط الوجودية بصورة عامة بين موضوعات : الحرية والاختيار والمسؤولية والتي
تجعل الربط بين معانيها أساس الوجودية ، وأصلًا من أصولها الأساسية . فعند سارتر
الحرية مسألة أصيلة وجوهرية عند الإنسان ،وحرية الإنسان تعلي بالضرورة من شأن
الإنسان في حرية الاختيار ، وأنّ الإرادة الحُرّة هذه تجعل الإنسان بالضرورة مسؤولا
عن أفعاله وتصرفاته في تحمل مسؤولية أعماله .
– أنواع الوجودية وتفسيراتها
تستخدم كلمة وجودية في مختلف الأوساط الاجتماعية والثقافية وتعطي دلالات غامضة في أعلب
الأحيان ، وقد تبلور عبر الزمن نوعان من الوجوديين ، الوجودية المسيحية الكاثولوكية والتي تتلخص
في ان الإنسان على الرغم من ان له حرية الاختيار في حياته فإنه يخضع بالضرورة للحقيقة الخفية
وهي أصل الوجود البشري والتي أطلق عليها بعض الوجوديين
والنوع الثاني من الوجوديين هم الوجوديون الملحدون، الذين اعتبروا الحريّة هي أساس الذات
الانسانية وهي تصنع وجودها وتطور حياتها بنفسها ،دون تدخل غيبي ، فهي تصنع وجودها على
النحو الذي تريده، فالإنسان هو مشروع وجود غير مكتمل، بعكس الوجودية المسيحية ، فالإنسان عندها
له كيان أصيل مكتمل وماهية مكتملة لا كمشروع وجود كما يراه الوجوديون الملحدون . فالإنسان
عندهم كائن يكون الوجود لديه سابقًا للماهيّة، وأنّ هذا الكائن هو الإنسان. ولكن، ماذا يعني أن
الوجود سابق للماهيّة؟
هذا يعني أنّ الإنسان يُوجَد أولًا، يلتقي بالعالم ثانيا ،وينبثق عن العالم ، ويتجانس مع العالم ، ويكون
إنسانا على نحو ما يتصوره هو فقط ، وبالتالي لا وجود مطلقا لطبيعة إنسانية غامضة ،فصورة
الإنسان هي ما يصنعه بنفسه في الحياة وفي الوجود .
يكون هذا هو أوّل مبدأ للوجودية – ( الإنسان صانع نفسه ) وهو ما يُسمّى أيضًا بـ ( الذاتيّة المفرطة
المؤطرة ).
– المسؤولية الفردية والمسؤولية الإنسانية
اي ان كل إنسان مالك لوجوده، وبالتالي يجب ان يتحمل المسؤولية الكاملةً عن سلوكه وتصرفاته ، لا
أن يرجعها إلى مسؤولية ماهية الوجود الإلهية فقط أو غيرها ، أي أن الإنسان في الوجودية الملحدة

ليس مسؤولا فقط عن ذاته وسلوكه وتصرفاته وأفكاره بل مسؤوليتة تمتد لتشمل المسؤولية الجماعية
عن كل الناس ،وفقا لضوابط إنسانية محددة ، وليس لضوابط غيبية قدرية ..
لا شك ان المسؤولية الإنسانية للفرد كما طرحها سارتر يعتريها الغموض في الوجودية الملحدة ، والتي
أطلق عليها سارتر بقلق الإنسان الوجودي.
وهكذا فإنّ مسؤولية الفرد عند سارتر يعتريها نوع من الغموض فيما يتعلق بالمسؤولية الإنسانية للفرد
كما أشرنا ، والتي تسبب له القلق الدائم لشعوره بالمسؤولية الإنسانية ، بينما المسؤولية الذاتية واضحة
المعالم بينة القسمات
يعلن الوجودي الملحد بأن الإنسان كائن قلق، وهذا يعني أنّ الإنسان ليس من يختار ما يكون عليه
فقط، وإنما يختار نفسه في الوقت الذي يختار فيه الإنسانية برمّتها، ولن يكون قادرًا عندها على الإفلات
من الشعور بالمسؤولية التامّة والعميقة.
– الحرية والمسؤولية والقلق
لا شكّ أن هناك غموض في تحديد المسؤولية ،إلا أن التفسير المتفق عليه هو أن الفرد عليه ان
يُفكِّر مرارًا قبل أن يقوم بأي تصرُّف لا يؤثر على نفسه فقط، بل يمتد التأثير ليشمل الإنسانية ،. فيعيش
في حالة دائمة من القلق والتوجّس تجاه كل أفعاله في الحياة.
ولا يتعلّق الأمر هنا بقلق يقود إلى الشلل والجمود، وإنما هو قلق بسيط يعرفه كل من حمل عِبء
المسؤوليات. فمثلًا عندما يأخذ قائد على عاتقه مسؤولية هجوم عسكري، ويبعث بعدد مُعيّن من الجنود
إلى الموت، وعلى هذا الاختيار قد تتوقف حياة عشرة، أو عشرين رجلًا، ولا يُمكنه أن يتخذ هذا القرار
دون أن ينتابه شعور معيّن بالقلق، وكل القادة يعرفون مثل هذا القلق، إلا أنّه لم يكن ليمنعهم من فعله.
وسوف نرى أن هذا الضرب من القلق الذي تصفه الوجودية،من شأنه أن يفسّر أن المسؤولية المباشرة
تجاه بقيّة الناس ليست ستارًا يفصلنا عن الفعل، بل هي جزء من الفعل ذاته.
يقول سارتر : إذا افترضنا أن الله غير موجود، فإننا لن نجد أمامنا قيَمًا أو أوامر تشرّع تصرفاتنا،
وهذا إعلان مبطن عن عاطفة سارترية دينية من دون تصريح.
"الإنسان محكومٌ عليه بالحريّة " هكذا يقول (سارتر ) موضِحًا: محكوم عليه لأنه ليس من خلق نفسه ،
في حين أنّه مع ذلك يكون حرًا، لأنه بمجرد ما يُلقى به في العالم يكون مسؤولًا عن كل ما يفعل،
ومسؤولًا عن المستقبل أيضًا .
وهذا يعني أن أي إنسان يظهر يكون عليه مستقبل ينتظره يجب أن يصنعه بنفسه، وهذا لا يتناقض مع
التوجه الإلهي بصورة عامة .
فكل إنسان حرٌّ فيما يفعل وفيما سيفعل، هو وحده عليه أن يُبدع ويفكِّر، ويكون مسؤولا عن أفعاله
وتصرفاته .
– القدرية عند سارتر
عند سارتر لا يوجد إنسان يولد جبانا أو شجاعا ، كما لا يُوجَدُ إنسان يُولد قويًا أو ضعيفًا.
فالجبان الذي تُقدمه الوجودية يُعد مذنبًا، وهذا ما لا يرضاه منتقدو الوجودية؛ فهم يرون أن الإنسان يولد
مكتسبا لصفة ما ترافقه طيلة عمره، فإذا وُلد الشخص جبانًا يكون مُطمئنًا لهذا ولا يريد أن يفعل شيئًا
ليغير من هذا السلوك، وسيظل جبانًا مدى حياته،وإذا وُلد الإنسان بطلًا فسيكون مُطمئنًا تمامًا أيضًا،
ويمضي بقية حياته يفعل كما يفعل الأبطال.
إن المنزع الوجودي ليس بالضبط إن كان الله موجودًا أم لا ، فإنّ ذلك لا يُغيّر شيئًا،فالمشكلة ليس
فيما يخصّ وجود الله، ولكن الذي يخص الإنسان وعمله؛ فعلى الإنسان أن يُوجِدَ نفسه بنفسه من جديد،
ويٌقنع نفسه أن لا شيء يُمكن أن ينقذه من نفسه سوى نفسه، ونرى بان هذا لا يتناقض مع النظرة الإلهية
لسلوك الإنسان، فالإنسان مسؤول عن سلوكه وتصرفاته بمختلف الشرائع الدينية
وبهذا المعنى، يكون المنزع الوجودي عند سارتر منزعًا تفاؤليًا ومذهب عمل بعيدا عن تأثي قوى
خارجية ، فالوجودية عند سارتر ليست دعوة لليأس والإحباط والتكاسل والنظرة العبثية للحياة.

– هل الإلحاد عند سارتر خيار ام استنتاج
وعند سارتر يتم إرجاع النفس البشرية إلى ذاتها لخلق المعنى والهدف من خلال خياراته
الشخصية بدلا من الشراكة مع قوى خارجية، فالإلحاد لدى سارتر هو استنتاج واستنباط
من فلسفته في الحياة ، على الرغم من ان سارتر في فلسفته يدعي دائمًا أن المعتقد الديني
لا يزال معه ، إلا ان هذا ربما يكون ليس كفكرة ورأي ، بل مجرد التزام عاطفي، فقد
استخدم اللغة الدينية والصور في جميع كتاباته ويميل احيانا إلى رؤية الدين في اتجاه
إيجابي ، على الرغم من أنه لم يؤمن صراحة بوجود آلهة ورفضه الحاجة إالملحة الى
وجود الآلهة كأساس للوجود الإنساني، ويبقى الغموض يظلل فلسفة سارتر وتوجهاته
الفلسفية في النظر إلى الدين والإنسان والحياة ، ويبدو أن صبغة العلمانية هي التي يجوز
إطلاقها على سارتر،ما لقيصر لقيصر وما لله لله أصح من الإلحاد .
إن الوجودية لا تحاول إطلاقا إغراق الرجل في اليأس، وليس الموقف من عدم الإيمان
يأسًا ،
إن الوجودية ليست إلحادًا كثيرًا بمعنى أنها لن تنهك نفسها في إثبات أن الله غير موجود
أو غيره. بل يعلن سارتر: حتى لو كان الله موجودًا ، فلن يغير هذا بالنسبة له شيئا في
أسلوب التفكير . هذه وجهة نظرنا. ليس المشكلة في أننا نؤمن بوجود الله ، لكننا نعتقد أن
المشكلة ليست مشكلة وجوده ؛ يجب أن يجد الإنسان نفسه ويقتنع بأنه لا يوجد شيء يمكن
أن يخلصه من نفسه إلا هو ، حتى لو كان ذلك دليلًا صحيحًا على وجود الله. وبهذا المعنى
، فإن الوجودية هي تفاؤل وعقيدة عمل أكثر من ان تكون فلسفةللنظر الى الكون .
د عاكف صوفان

Close Bitnami banner
Bitnami